الشيخ محمد رشيد رضا
483
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأرض ، فالانسان وسائر أنواع الحيوان تستنشق الهواء فيطهر ما فيه من الاكسجين دماءها من الكربون السام فيخرج بالتنفس إلى الجو فيتغذى به النبات . ولو احتبس ما يتولد في دم الحيوان من السموم الآلية في صدره لأماته مسموما كما يموت الغريق بعدم دخول الهواء في رئتيه ، فمثله في ذلك كمثل مصباح زيت البترول الذي يمد أكسجين الهواء اشتعاله ، ألم تر أنك إذا وضعت على فوهة زجاجة المصباح غطاء محكما ينطفيء نوره سريعا ؟ ولا يستثنى من ذلك الحيوانات المائية كالسمك فان الهواء الذي يخالط الماء كاف لها . والنبات يمتص الكربون السام من الهواء فيتغذى به كما تقدم ويدع الأكسجين للحيوان ، فكل منهما يأخذ منه حظه ، ويفيد في الحياة صنوه ، كما قلنا في المقصورة : والباسقات رفعت أكفها * تستنزل الغيث وتطلب الندى « 1 » تمتلج الكربون من ضرع الهوى * تؤثرنا بالأكسجين المنتقى « 2 » وكذلك الهواء الذي يتخلل الأرض يساعد جذور النبات على امتصاصها الغذاء من التراب ثم إن السموم التي تنحل في البدن يخرج قسم عظيم منها من مسامه بخارا أو عرقا فيمتصها الهواء ويدفعها إلى الجو الواسع ، ولو انسدت مسام البدن لما كان الهواء الذي يدخل الرئتين كافيا لوقاية الانسان والحيوان من ميتة التسمم ومن منافع الهواء التي يغفل أكثر الناس عن شكر الرب عليها تطهيره سطح الأرض التي نعيش عليها من الرطوبات القذرة وما يتولد فيها من جنة الاحياء الضارة « ميكروبات الأمراض » فهو يمتصها ويدفعها في هذا الجو العظيم فيتفرق شملها وتزول قوة اجتماعها وقد تموت محترقة بأشعة الشمس فيه ، وينبغي اتقاء الغبار الذي يحملها فقد ورد في الحديث « تنكبوا الغبار فان منه النسمة » وهي ذات النفس الحية « 3 » بل لولا الهواء لتعذر أن يجف ثوب
--> ( 1 ) أي إن الأشجار الباسقة - وكذا الواطئة - من أسباب حدوث المطر وندى الجو فاستعير الطلب للسبب بتورية ( 2 ) الامتلاج الارتضاع وهو استعارة أيضا ( 3 ) اقتبسه عمرو بن العاص فقال من خطبة له : اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة والحديث اثبات لوجود الجراثيم المرضية التي تسمى الآن بالميكروبات فهو من دلائل النبوة